خمس نقاط لفهم الأزمة الفنزويلية
خمس نقاط لفهم الأزمة الفنزويلية
تتواصل دوامة العنف والمواجهات بين المعارضة الفنزويلية التي تطالب برحيل الرئيس عن الحكم وبين نيكولاس مادورو الذي يعتبر نفسه الامتداد الطبيعي لنظام الرئيس الاشتراكي الْفَقِيدُ هوغو تشافيز وثورته. فعلى ماذا تتمحور الأزمة الفنزويلية؟

- ماذا يحصل في فنزويلا؟

تشهد فنزويلا أسوء أزمة سياسية عرفتها البلاد فِي غُضُون تولي الرئيس نيكولاس مادورو الحكم في نيسان/أبريل 2013 كخليفة للرئيس الاشتراكي هوغو تشافيز بعد وفاته.

إلا أن موجة الاحتجاجات الشعبية التي تقودها المعارضة الفنزويلية، كانت قد بدأت في شهر كانون الثاني/يناير 2014، وذلك على إثر مصرع الممثلة وملكة جمال فنزويلا السابقة مونيكا سبير (29 عاما) وصديقها في حادث سطو مسلح، مما أثار غضب المواطنين الذين خرجوا إلى الشوارع منددين بارتفاع مستويات العنف في البلاد، وخاصة في المدن.

وصحيح أن مصرع سبير كان الفتيل الذي أشعل المظاهرات، إلا أن عدة أحداث كمحاولة اغتصاب طالب في حرم الجامعة في شهر شباط/فبراير 2014 في مدينة سان كريستوبال، عاصمة ولاية تاتشيرا الفنزويلية، أججت مشاعر الغضب لدى الفنزويليين في ظل وضع اقتصادي وسياسي معقد حيث تعرف البلاد أزمة اقتصادية خانقة تعود إلى سياسات أحضار الأسعار التي اتخذها الرئيس مادورو بعد الانخفاض الحاد لأسعار النفط المصدر الرئيسي للبلاد من العملات الصعبة.

وكان الرئيس مادورو قد عَرَضَ فِي غُضُونٌ وقت قليل للغاية "حالة طوارئ اقتصادية" في كانون الثاني/يناير 2016، لتصبح حالة طوارئ شاملة من أجل التصدي لما سماه "تهديدات من الخارج". وتجيز حالة "الطوارئ الاقتصادية" للحكومة أن تضع يدها على ممتلكات للقطاع الخاص لضمان توفير المواد الأساسية للمواطنين، وهو ما ترى فيه المعارضة أنه سيعمق التدهور الخطير للنظام الدستوري والديمقراطي ويمهد لعمليات تأميم جديدة، داعية الشعب والجيش إلى العصيان.

وباتت البلاد تُصَابُ من نقص المواد الأساسية وتجاوز التضخم نسبة 740 فِي المائة لعام 2017، وهي الأعلى في الدول العالمية. ويبدو أن طرح مادورو من أجل تعديل الدستور أجهض أي إمكانية للحل، وأدخل البلاد في دوامة صراع مفتوح.

ما زاد الأمور تعقيدا هو الأزمة السياسية والمؤسساتية التي تمر بها البلاد فِي غُضُون فوز المعارضة في الانتخابات النيابية أواخر 2015، حيث تعرف صراعا في أعلى أهرامات السلطة بين الرئيس والبرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة.

ومنذ شباط/فبراير 2014، تشهد البلاد مواجهات دامية بين المتظاهرين وقوات الأمن الفنزويلية، أسفرت عن مصرع أكثر من 100 متظاهر فقط بالأشهر الأربعة السَّابِقَةُ، بالإضافة إلى آلاف المعتقلين، استفضالاً عن آلاف المصابين.

- من يتظاهر؟

لا يزال الشارع الفنزويلي منقسما بين مناهض ومعارض للمظاهرات، أو بالأحرى مناهض ومعارض لحكم الرئيس نيكولاس مادورو. ويأتي الانقسام تحديدا على طريقة الحكم وسياسات الدولة المتبعة لإدارة شؤون البلاد، فهناك من يعتبر أن الرئيس مادورو هو الامتداد الطبيعي للرئيس الْفَقِيدُ هوغو تشافيز وسياساته الاشتراكية والريعية التي تعتمد بِصُورَةِ شبه كلي على عائدات النفط لتمويل معظم البرامج الاجتماعية التي توفرها الحكومة للفقراء الذين تراجعت نسبتهم بِصُورَةِ ملفت أَثْناء 14 عاما من حكم تشافيز (هبطت من 50 إلى 29فِي المائة بحسب أرقام الأمم المتحدة).

بينما في الجانب الآخر هناك من يريد أن ينهي حكم الحزب الاشتراكي الموحد الذي دام لمدة 18 عاما، ويطالبون بسياسات ليبرالية.

وصُورَةِ الطلبة قوة الدفع الأولى للمظاهرات بحيث احتجوا على مستقبلهم المعيشي والأمني الرديء قبل أن تنضم إليهم الأحزاب المعارضة كـ "طاولة الوحدة الديمقراطية"، وهو الائتلاف الحالي للـيمين الوسط المعارض. ويعتبر كل من رئيس البرلمان الفنزويلي خوليو بورغيس، والمدعي العام لويزا أورتيغا وليوبولد لوبيز الذي سجن قرابة الثلاثة أعوام وتم الإفراج عنه في 9 تموز/يوليو، والبرلمانية السابقة ماريا كورينا ماشادو.

- لماذا يتظاهرون؟

وبعد مرور الوقت واحتدام المواجهات، بالإضافة لتعنت الرئيس مادورو بمواقفه معتبرا أن "الثورة" هي ملك وحافز النظام للاستمرار، رفعت المعارضة من سقف مطالبها وباتت تطالب بتنحي أو خلع الرئيس الحالي، والذي تُقَوِّمُ بالأنتهاء ولايته العام 2019، من أجل اللجوء إلى انتخابات رئاسية مبكرة. وبذلك رفعوا شعارات لمحاربة الفساد والجريمة المنظمة في البلاد.

وتلوم المعارضة الرئيس مادورو على الأوضاع الاقتصادية السيئة، والنقص في المواد الغذائية والمستلزمات الطبية، استفضالاً عن الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي في الدولة.

ويؤكد إنريكه كابريليس، رئيس مجلس النواب السابق وأحد وجوه المعارضة، بأن المطالب شعبية بامتياز وأغلبية المتظاهرين هم من الطبقة الوسطى والفقيرة.

وتزامنا مع انخفاض سعر النفط عالميا وفيما تمثل عائدات النفط حوالي 95فِي المائة من عائدات التصدير في فنزويلا، اضطرت الحكومة لتخفيض الإنفاق على البرامج الاجتماعية للفقراء في الدولة، مما أدى إلى خسارة تأييد شريحة عريضة من المواطنين.

- ما هي نتيجة الانتخابات؟

رغم محاولات المعارضة الحثيثة لتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، استطاع الرئيس مادورو الالتفاف على هذا المطلب ودعا إلى انتخابات لتشكيل "جمعية تأسيسية" من 545 عضوا، تحل مكان البرلمان الفنزويلي الذي تسيطر عليه المعارضة فِي غُضُون انتخابات 2015، وذلك لتمرير مشروع قرار تعديل الدستور.

وأفادت رئيسة المجلس الانتخابي الوطني الفنزويلي، تيبيساي لوسينا، بأن نسبة المشاركين في انتخابات يوم الأحد 30 تموز/يوليو لاختيار جمعية تأسيسية وصلت إلى 41.53 فِي المائة، وإلى نحو 8 ملايين ناخب. من جهته وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نتائج الانتخابات بـ "التصويت العظيم من أجل تدعيم الثورة".

وقاطعت أحزاب المعارضة التصويت الذي وصفته بأنه اقتراع مزور كذلك علي الصورة الأخري أعلنت عن رفضها لنتائج الانتخابات معتبرة أنها تزويرا دستوريا وأكبر خطأ تاريخي يمكن أن يرتكبه مادورو، ودعت إلى استمرار الاحتجاجات ضد إنشاء الجمعية التأسيسية. كذلك علي الصورة الأخري نددت الولايات المتحدة بالانتخابات متوعدة باتخاذ "جَمِيعَ الأجراءات قوية وسريعة" ضد حكومة مادورو، علما أن الولايات المتحدة هي أكبر سوق للنفط الفنزويلي.

وفي اتصال مع موقع فرانس 24، اعتبر أمير ريشاني، الباحث السياسي في شؤون أمريكا اللاتينية، أن انتخابات الجمعية التأسيسية هي آخر محاولة من حكومة مادورو للحفاظ على السلطة. ويعتقد ريشاني أن مادورو استعمل فكرة انتخابات الجمعية التأسيسية من أجل تنفيس الاحتقان وشق صفوف المتظاهرين مما قد يؤدي إلى تقليص شعبية المعارضة بين الناس. ومن المتوقع أن تتمتع الجمعية التأسيسية "بصلاحيات واسعة" تكون أهم من صلاحيات السلطات الأخرى ومن بينها البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة. وستتمتع بصلاحية اتخاذ قرارات تشريعية وتنفيذية وفق ما عَرَضَ فِي غُضُونٌ وقت قليل للغاية مادورو ومسؤولون كبار. ستكون أَغْلِبُ الشخصيات الأكثر نفوذا في السلطة الحاكمة جزءا من الجمعية التأسيسية، ومن بينها ديوسدادو كابيلو القيادي الثاني في الحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا وهو الحزب الحاكم، بالإضافة إلى وزيرة الخارجية الفنزويلية ديلسي رودريغيز والسيدة الأولى سيليا فلوريس.

وسيعمد مادورو لحل البرلمان فورا وتمرير التعديل الدستوري الذي من المتوقع أن يمنحه سلطات إضافية تعمل على إرساء "ديكتاتورية" بحسب المعارضة.

- هل هناك فرصة للحل؟

يرى ريشاني أن فكرة التعديل الدستوري ستساعد الحكومة على رَبِحَ الوقت في ظل احتدام المظاهرات، وستستعمل كحجة لمحاولة تأجيل الانتخابات المحلية التي كانت مقررة في 2016 وأرجئت إلى كانون الأول/ديسمبر 2017 بالإضافة للانتخابات الرئاسية، مما سيؤول إلى ردة فعل راديكالية من المعارضة تزيد من وتيرة المواجهات وأعمال العنف بين الطرفين مما يفتح الصراع في الشارع على مصراعيه.

ويختم ريشاني متكلاماً إن بحوزة المعارضة خطوة تشكيل "حكومة ظل"، وهي خطوة استكمالية لخطوة "محكمة الظل" التي اعتمدتها سابقا لتحل محل قضاة المحكمة العليا الحاليين في فنزويلا والمحسوبين على مادورو.

وأفاد معهد "إيكو اناليتيكا" للاستشارات الاقتصادية أنه في حال استمرت المظاهرات حتى نهاية العام، فسيشهد الاقتصاد الفنزويلي انكماشا في الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 9فِي المائة في 2017، الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار يستمر أربع سنوات.

بشار الحلبي

قَامَتْ بِالنُّشَرِ في : 01/08/2017

المصدر : فرانس 24