الاكتئاب المُقَنّع.. قصة معاناة وألم
الاكتئاب المُقَنّع.. قصة معاناة وألم

ملحوظة: تِلْكَ القصة حكاية حقيقية لمريض أعرفه يحكيها بدموعه ودمائه في مجتمع لا يرعى المريض، ولا يشعر به، بل ربما يغمزه ويلمزه ليضيف مزيدًا لألمه ومعاناته.

يحكي ويقول: لا أدري من أين أبدأ؛ فقصتي طويلة وجذورها قديمة قدم مولدي في تِلْكَ الدنيا الأليمة، ولكني سأبدأ من نقطة التحول الأولى في حياتي، يوم ثْبَتَت نتيجتي في الثانوية العامة، والتحقت بكلية الطب، إحدى كليات القمة – كذلك علي الصورة الأخري يسمونها! – ولكن في إقليم بعيد عن مدينتي، فقد كنت أحتاج نصف درجة للالتحاق بالكلية في مدينتي، كانت المرارة نابعة من شعوري بالظلم؛ لأني لم أحصل على درجاتي كاملة في الثانوية العامة؛ نتيجة خطأ في التصحيح، قدّمت تظلمًا للحصول على درجاتي؛ فقد حَصَلْتِ على أَغْلِبُ منها ظلمًا وتعسفًا؛ لأذهب للمنفى في كليتي الجديدة، ولكني قررت الصبر والصمود، ولم أكن أدري أن تلك الحادثة هي أولى حوادث الدنيا القبيحة معي.

بدأت القصة حين كنت أشعر ببعض الآلام في بطني مع وهن وضعف في جسمي، فقررت الذهاب للطبيب مطمئنًا وواثقًا بالطب في بلدنا، فمن أعظم ومن أقدر من الطبيب حينها؟! طلب الطبيب مني تحاليل، وأخبرني أني مصاب بأميبا معوية، ووصف لي العلاج، تجرعت العلاج وَقْتُ، وأجريت التحاليل مرة أخرى؛ لتختفي الأميبة من التحليل، وأخرج من عيادة الطبيب باسمًا سعيدًا، ولكن يا لها من سعادة لم تكتمل! لم تمر سوى أيام أو أسابيع قليلة حتى عادت لي الأعراض مرة أخرى، وذهبت للطبيب وأجريت التحاليل لتعود الأميبا مرة أخرى، وأعاود العلاج مرة أخرى، وينتهي العلاج وتنتهي الأميبا، ثم تعود الأعراض مرة أخرى.

اعتدت على الذهاب للمعامل لإجراء التحليل لنفسي، كذلك علي الصورة الأخري اعتدت على أخذ العلاج المرير الذي صار لا يجدي نفعًا، ولا يشفي علة، ازدادت الأعراض سوءًا وتدهورًا بزيادة الإنهاك البدني وجفاف الريق، كذلك علي الصورة الأخري أن الأعراض الجانبية للدواء من مرارته التي تفرز في اللعاب والشعور بالغثيان والقيء ازدادت أكثر وأكثر، قررت الذهاب لطبيب آخر ثم طبيب آخر، والتشخيص واحد في كل مرة، إنها الأميبا وإنه نفس الدواء المرير، تساءلت حينها عن سر هذا المرض الملازم، وتِلْكَ الأميبا المشاكسة التي لا تستجيب لدواء، ولكن بلا رد مقنع، وبلا جدوى من حالتي حينها.

أَغْلِبُ الأطباء شخّص أنني مصاب بالقولون العصبي، وأعطاني دواءه، ولكن بلا شفاء أو تحسن، ثم عاد تشخيص الأميبا مرة أخرى، مرت خمس سنوات كاملة من المرارة والتعب والنحول، لا أدري ما أفعل، حتى بدأ الإنهاك يتضاعف وكنت أغيب عن كليتي أيامًا بسبب الإنهاك وملازمة الفراش، كانت آلام بطني تتضاعف أكثر، وكاد اليأس يفتك بي، الناس يتعجبون من حالتي الغريبة، وربما يجهزون عليّ بكلماتهم الجارحة، بدلًا عن مواساتي والشعور بألمي! وفي يوم من الأيام حضرت محاضرة في كليتنا شَرَحتْ فيها الدكتورة موضوع مرضي، وهو الأميبا المعوية، فتشككتُ في صحة تشخيص هذا المرض لي أول مرة! وقررت الذهاب لأحد الأساتذة المتخصصين في الجهاز الهضمي بكليتنا، وعندما أخبرته بمعاناتي قرر لي تحاليل كثيرة أجريتها للمرة الأولي، ليؤكد لي حينها تمامًا أن مرض الأميبا هذا وَهْم لا أصل له! يا إلهي ! خمس سنوات كاملة أشخّص وأعالج خطأ! ما تِلْكَ الصدمة؟ وكيف أخطأ كل هؤلاء الأطباء الذين يزدحم الناس على عياداتهم؟! أسئلة تراودني حينها لم أجد لها جوابًا.

أخبرني الطبيب أن أحد التحاليل يشير لإصابتي بمرض حساسية القمح، وعلي أن أخضع لمنظار الجهاز الهضمي لتأكيد التشخيص، وفعلًا خضعت لفحص المنظار وأخذ الطبيب عينة من الأمعاء، وأرسلها لمعمل التحاليل الباثولوجية الذي رَسَّخَ سلامة العينة من هذا المرض! فماذا سنفعل أيها الطبيب الآن؟

أصر الطبيب الأستاذ أنني مصاب بحساسية القمح، وعلي أن أتوقف عن أكل القمح ومشتقاته ثلاثة أشهر كاملة! يا إلهي! يا لها من معاناة، لم أكن أتخيل أن أصل إليها في يوم من حياتي! لقد توقفت حينها عن 90فِي المائة من الطعام حيث اكتشفتُ أن أغلب طعامنا يحتوي على القمح، فلا خبز ولا مخبوزات ولا مكرونات ولا… ولا…. كذلك علي الصورة الأخري أن بلدنا العظيم لا يوجد به أطعمة خالية من الجلوتين (مادة الحساسية في القمح)؛ لأنه لا يعترف بهؤلاء المرضى أصلًا! احتملتُ الصدمة صابرًا ثلاثة أشهر كاملة، حتى أشفق علي المشفقون، وضاق بي أهلي من وضعي وحالتي، وازداد ضعفي ونحولي، ولازمت السرير منهارًا عدة أيام، حالتي النفسية محطمة تمامًا، يا الله… هل من مخرج لتعاستي وألمي!

مرت الأشهر الثلاثة وأجريت التحليل مرة أخرى ليتبين أنه ما زال مرتفعًا، وذهبت للطبيب الأستاذ، وأخبرته أن نفسيتي منهارة، وأن حالتي الصحية تزداد سوءًا يوما بعد يوم، على الرغم من امتناعي عن القمح، فإذ به يصر على أن أمتنع عن القمح ثلاثة أشهر أخرى! حينها دارت الدنيا بي، وشعرت بالضياع والانهيار، لقد بدأت أفقد الثقة في هذا الطبيب أيضًا، حتى ذهبت لأستاذ آخر واستشرته في الأمر فأكد لي أنني غير مصاب بحساسية القمح، كانت الكآبة حينها تحيط بي من كل جانب وفقدت المتعة في الدنيا، وأصبح الألم النفسي يلازمني، حتى قررت قرارًا يصعب اتخاذه في مجتمعاتنا.

هذا القرار هو الذهاب للطبيب النفسي، حيث بدأت أشعر أن كل مرضي أصلًا ماذا تعرف عن إلا مرض نفسي، حيث درست في كليتي ما يسمى الاضطراب النفساني الجثماني (الاكتئاب المقنع) الذي يشبه كثيرًا حالتي التعيسة.

ذهبت بالفعل للطبيب النفسي الذي بدأ يرَسَّخَ أنني مصاب بِمَرَضِ الْاِكْتِئَابِ المقنع، وهو الاكتئاب الذي يظهر على هيئة أعراض عضوية لا نفسية، لقد كان تشخيصه هنا صحيحًا فعلًا! وبعد خمسة أعوام من المعاناة والألم وصلت للتشخيص الصحيح، ولكن.. هيهات.. هيهات.. لقد وصلت للتشخيص بعد فوات الأوان، أتدرون لماذا؟

لأن الاكتئاب المقنع كان في تلك المرحلة قد تطور لاكتئاب حقيقي، حيث بدأت تناول الدواء النفسي الذي بالفعل حسّن الأعراض العضوية التي عانيت منها السنين الطويلة، ولكنه يا للأسف فشل في علاج الاكتئاب الحقيقي الذي أصابني حديثًا، فدخلت في دوامة جديدة، وهي دوامة مرض الاكتئاب الأعظم الذي فشلتْ كل الأدوية في علاجه، وعجز كل الأطباء عن مساعدتي، حتى مرت حتى الآن سبع سنوات كاملة بلا جدوى سوى المزيد من الاكتئاب والقلق والشقاء.

تِلْكَ هي قصة مريضنا باقتضاب، ولنا منها درس مستفاد، وهو مدى انهيار الطب في بلدنا، بل انحطاطه إلى أقصى الدرجات؛ فهؤلاء ثلاثة أطباء باطنيون أجمعوا على تشخيص خاطئ، وهو الأميبا المعوية، دون أي أصل لهذا المرض، سوى جهلهم بأدوات التشخيص، وإعطائهم تشخيصات كاذبة لعدم قدرتهم على التشخيص الصحيح، صحيح أن مريض الاكتئاب المقنع يصعب تشخيصه في البداية، ولكن هل يصل هذا الأمر إلى خمس سنوات كاملة ينهار فيها المريض في دوامة التشخيصات والأدوية الخاطئة؟! وهل منطقي في النهاية أن يبحث المريض الذي هو طالب في كلية الطب عن تشخيصه بطريقته وبحثه الخاص؟! إن كنت لا تستطيع التشخيص أيها الطبيب فقل لا أدري، أما أن تحطم مريضًا بريئًا لا ذنب له سوى الوثوق بك، فهذه جريمة لا تغتفر.

المسألة الثانية: أن مرضى مثل مرضى حساسية القمح يعانون معاناة أليمة في هذا الوطن الذي لا يعتني بأهله! فهم لا يتوفر لهم طعام آمن لحالتهم الصحية، بينما في البلدان المتحضرة يوجد في الأسواق أطعمة خاصة مكتوب عليها Gluten free ليعيش هؤلاء المرضى حياة عادية كريمة مثل بقية البشر.

المسألة الثالثة: لماذا يعيش مريض اكتئاب سبع سنوات كاملة دون استجابة لأي دواء؟ هل مرضه صعب وعسير فعلًا ويقاوم الأدوية والعالج؟ أم إنه توجد مشكلة في الطب والأطباء النفسيين في بلدنا الذين يعجزون عن التشخيص كذلك علي الصورة الأخري يعجزون عن العلاج؟ فيتحطم المرضى النفسيون في مجتمع لا يرحمهم كذلك علي الصورة الأخري لم يعالجهم.. أسئلة مهمة تحتاج إجابة.

المصدر : ساسة بوست