الانتحار.. هل هُو مجرّد حدث؟!
الانتحار.. هل هُو مجرّد حدث؟!

قبل عدة أشهر مِن الآن كُنت أجلس في مُحاضرة في أحد المساقات أَثْناء دراستي الجامعية ننُاقش خلالها القضايا المنوعة التي نشهد وقعها في حاضرنا.

عندما سألت الدكتورة فَدْوَى الجعبري عن القضايا التي نود الخوض فيها كي نبحث أسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونناقش وقعها على المُجتمع وآثارها على مُختلف النواحي الحيوية مِن اقتصاد أو سياسة أو اجتماع، كنا جميعًا نتفق على الحديث عن الانتحار الذي كان يتسلل إلى مُجتمعنا بِصُورَةِ مُخيف.

كان أمر الانتحار في تِلك اللحظة مُرعبًا، لقد كنا نسمع بين وَقْتُ وأخرى عن حدث مِن هذا النوع، النوع الذي لم نسمع عنه مِن قبل في أراضي دولة فِلَسْطِينِ الْمُحْتَلَّةُ، فكان يجب علينا نحن الطلبة في كُلية الإعلام أن نبحث في ذلك.

ليس الأمر هُنا، بل إن الأمر الذي أرهب نفسي وجعل روحي تنتفض خوفًا هو الأرقام والإحصائيات والحقائق التي عرضها زُملائي أثناء النقاش، أنا لن أعرضها إليك بإمكانك البحث إن كُنت مُهتمًا، أو لا تبحث إن كُنت أحد تُجار القضية.

إن قتل الأنفس لا يتوقف أبدًا، فَرَستُ ذلك بعد أن وصل النقاش إلى الحديث عن الأسباب فأُصبتُ بالإحباط آنذاك، فكُل شيء هُنا هو سبب بِصُورَةٍِ أو بآخر، كُل قطعة مِن هذا الواقع هي مُحفز لذلك، لن أتحدث عن تِلْكَ أيضًا، ابحث إن كُنت مُهتمًا، أو لا تبحث إن كُنت أحد تُجار القضية.

كُنت يائسًا جِدًا فلم يبدُ أن هُناك مؤشرًا لأن يرتد المُنتحرون عن ذلك، أدركت أن الكل لديه القابلية لكن المُعظم لا يحبذ الموت بهذه الطريقة، كان الرادع القوي ليكون الضمير المؤنِّب، الوازع الديني، لكن الضعفاء لا يهربون إليه بل إنهم يسلكون طريقًا آخر، طريق يأخذهم إلى دار أُخرى بعيدًا عن هُنا وقريبًا مِن الحساب الذي تكفّل الله به.

صدمة تتلوها الأخرى كانت تُصيب نفسي بالهلع مِن هذا الواقع، إن كُل زاوية فيه تدعو الضعفاء إلى النهاية، الأسوأ مِن ذلك أنه كان عليَّ أن أواجه حقيقة أن لكل شيء مُقدّمة، خشيتُ جِدًا أن تكون تِلْكَ البداية لخوفي الكبير.

بدأت مُحاضِرتُنا تُناقش معنا سُبُل الحدّ مِن ذلك، لكن الحد مِنه كان خارج سُلطتنا نحن الطلبة، إن الأمر يتعلّق بالذوات نفسها، يحتاج ذلك أن يتم ترويض الأنفس قبل ردعها، علمتُ حينها أن الأمر لن يغدو أفضل بل سوف يزداد سوءًا على سوئه.

كُنت في تِلك اللحظة أواجه أكبر مخاوفي، هل حقًّا سوف يتزايد معدل الجريمة تِلْكَ؟ هل سيلجأ إليها الناس مُبررين علّتهم بأنها المرحلة الأخيرة؟ هل قَامَتْ بالأنتهاء مرحلة المحاولة؟ هل سيموت الكثير أيضًا؟ هل ستقتلهم أنفسهم؟

ماذا إن حاولنا أن نوقف ذلك؟ هل سيكون النجاح حليفنا؟ أم سيكتب عنا الصحافيون مقالات كهذه «انتحار مجموعة مِن الطلبة، قتلهم يأسهم بعد أن خسروا حربهم ضد الواقع كي يحدّوا مِن ظاهرة الانتحار!».

هل هذا عنوان جيّد لفشلنا في حرب لم نبدأها بعد؟ أم هو ترجمة للخوف الذي يقبع في دواخلنا مِن ذلك المُصطلح المُرعب؟! فكّرت كثيرًا في ذلك الأمر.

كانت د. فدوى الجعبري تُناقش أمر الانتحار معنا ونحن نناقش ذلك في أنفسنا أيضًا، كُنّا في صِراع بين ذاتنا وأفكارنا وبين واقعٍ مُعتم يتحتم علينا أن نعيش فيه، وإلا فنحن في صراعٍ معه حتى نصل إلى النهاية التي تكشف الضعيف مِنا، والضعيفُ مِنا هو من يضحى مقالًا جديدًا لنهاية حياة أخرى راحت ضحية الوَهن والاستعجاز.

إن خوفي مِن ذلك الشيء كان في محله، الحدّ مِن تِلْكَ الظاهرة لم يكن بأيدينا، الحل في الذات التي تسوّل لنفسها إنهاء وقتها في العيش، والذات الأخرى التي نصّبت نفسها راعيًا ولم تسأل الأولى عن حاجتها بعد، لن أتكلم أيضًا في تِلْكَ، ابحث إن كُنت مهتمًا أو لا تبحث إن كُنت مِن تُجار القضية فأنت طرف في كُل الجرائم.

المصدر : ساسة بوست