الدعوة السلفية وذراعها المشلولة
الدعوة السلفية وذراعها المشلولة

فى ظل المعركة الصفرية بين الإخوان وداعميهم من طرف والنظام الحاكم من طرف، يقف طرف ثالث بعيدًا عن تلك الجلبة، لم يرق قطرة دم واحدة من دماء هذا الفريق ولم يكفر أو يزدري ذاك الفريق، إنها الدعوة السلفية ومنتموها، إلا أن العجب العجاب أن الفريقين قد اتفقا على عداوة ومهاجمة الدعوة السلفية بلا هوادة عبر إشاعات كاذبة أو تصريحات مجتزأة، فالإعلام الإخواني يقوم بصَبَّ هجمات مستمرة على شيوخ الدعوة السلفية وشبابها متهمًا إياهم بــ«موالاة الكفار» و»خيانة الله ورسوله» و»العمالة لأمن الدولة» إلى آخر تلك القائمة الرتيبة دون سند من عقل أو شرع، بينما قنوات النظام الفضائية تشن بين الفترة والفترة هجمات إعلامية شرسة على الدعوة السلفية وذراعها السياسي حزب النور، تزداد تلك الهجمات شراسة أوقات الانتخابات التنافسية وتختفي تماما أوقات الاستفتاءات على الدستور وما شابه، وبين تجني الإعلام الإخواني وفريق إعلام النظام تظل الذراع الإعلامية للدعوة السلفية عاجزة حائرة وغالبًا متفرجة مشلولة الإرادة محدودة التأثير، ترى ما أسباب تلك الظاهرة العجيبة؟ ولماذا لا توجد للدعوة السلفية ذراع إعلامية قوية تعبر عن مواقفها وتنشر منهجها الوسطي دون تشويه حاقد أو كذب سفيه؟

لو سألت أحد كوادر الدعوة السلفية فسيجيبك بلا تردد أو مواربة بأن السبب الرئيس هو «قلة الإمكانيات المادية» فمن المعروف أن الدعوة السلفية ضعيفة الإمكانيات المادية بعكس الإخوان والعلمانيين والليبرالين ورجال الأعمال أصحاب القنوات الداعمة للنظام، لكن عند تتأمل الأمر عن قرب والبحث بنظرة علمية محايدة تجد أن مبرر «ضعف الإمكانيات المادية» ماذا تعرف عن إلا ذر للرماد في العيون وتخلص من تأنيب الضمير عبر تعليق التقصير على أمر غير مستطاع، أما الحقيقة فخلاف ذلك.

دعونا في البداية نسلم تمامًا بضعف الإمكانيات المادية للدعوة السلفية وحزبها، وهذا يبرر بالفعل عدم وجود قنوات فضائية ناطقة باسم الدعوة السلفية ومعبرة عنها، ولكن ماذا عن الإعلام البديل (قنوات اليوتيوب وصفحات الفيس بوك ومواقع الشبكة العنكبوتية)؟

بعد بحث طويل لن تجد للدعوة السلفية تواجدًا يُذكر على تلك المواقع الإلكترونية رغم تأثيرها القوي ومسيس الحاجة إليها خاصة في حالة الكيانات ضعيفة الموارد المالية مثل الدعوة السلفية، فالإعلام البديل يتنافس بشدة الآن مع القنوات الفضائية لتشكيل وعي الشباب، فأحدث الأبحاث العلمية أثبتت أن تأثير الإعلام البديل لا يقل عن تأثير القنوات الفضائية، بل أثبتت أَغْلِبُ تلك الأبحاث أن تأثير الإعلام البديل قد تجاوز بالفعل تأثير القنوات الفضائية وأضحى العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل قناعات وأفكار الشعوب لا سيما الشباب.

فلقد تجاوز عدد مستخدمي الفيس بوك 2 مليار شخص حول الدول العالمية يحققون ما يزيد عن 8 مليار للفيديوهات يوميًا، بينما بلغ عدد مستخدمي اليويتوب 1.3 مليار شخص بعدد مشاهدات فيديو يتجاوز 5 مليارات مشاهدة يوميًا بإجمالي عدد ساعات مشاهدة بلغ مليار ساعة يوميًا.

و من الجدير بالذكر أن 90فِي المائة من مشاهدي الفيديوهات على الإنترنت تتراوح أعمارهم بين 18 سَنَةًا و34 سَنَةًا وأن 60فِي المائة من الأشخاص يفضلون مشاهدة الفيديوهات على الشبكة العنكبوتية عن مشاهدة القنوات الفضائية، وأن تأثير دقيقة واحدة من الفيديو يعادل 1.8 مليون كلمة (نعم إنك لم تخطئ في قراءتها وتستطيع أن تتيقن من المعلومات السابقة من أَثْناء المصادر أسفل المقال).

و إذا انتقلنا لمصر ستجد أرقامًا مذهلة، فمثلًا بلغ عدد مستخدمي الفيس بوك 33 مليون شخص أغلبهم من الشباب، تخيل أن لديك وسيلة إعلامية توصلك إلى ذلك الجمهور العريض الذي يلهث وراءه الجميع ثم تعرض عنها بدعاوى واهية، يا لك من مغبون.

إذًا فما السبب الحقيقي لإهدار تلك الوسيلة الإعلامية القوية من قبل القائمين على الدعوة السلفية؟

أعتقد أن الأمر متعلق بتركيبة الشخصية السلفية التي زُرع في وعيها – دون قصد – الاستخفاف بالعمل الإعلامي والمشتغلين به، فعبر سنوات متتالية كان الإعلام دائمًا ما يمثل خلالها خنجرًا في خاصرة الدعوة والدعاة، فهاجمه السلفيون وظلوا يقولون إن الإعلام لا حجم له وأن العمل على الأرض- في المساجد والجامعات والشوارع – كفيل بمحو أي أثر الي وسائل الاعلام، فلما برز البديل للقنوات الفضائية عالية الكلفة وأصبح في متناول السلفيين امتلاك أداة إعلامية ذات تأثير بالغ الشدة القصوي التأثير تضاهي القنوات الفضائية أداروا لها ظهورهم، فأضحى عدد ليس بالقليل من كوادر الدعوة السلفية ينظر إلى السلفيين العاملين بالإعلام البديل شذرًا وكأنهم «إخوة» درجة تانية فشلوا في طلب العلم ففروا إلى كهوف الفيس بوك واليوتيوب.

الأفعال ما هي إلا ثمرة للأفكار والمعتقدات، ودون تشخيص سبب المرض من العسير أن تعالجه، فدون إحداث تغيير جذري في وعي السلفيين تجاه الإعلام البديل ودوره فلا أمل في تقدم ملحوظ، سيظل السلفيين يخاطبون أنفسهم في المساجد وسيظل حزبهم يصدر البيانات تلو البيانات ولا يقرأها إلا أتباعه وسيظل الإعلام بشقيه الإخواني والليبرالي يلقي بذور أفكاره الخبيثة في عقول الشباب، سيظل الجهل مستحوذًا على العقول والهوى قائدًا للأنفس والتعصب دليلًا على الطريق.

الإعلام البديل يمثل جسرًا قويًا للتواصل بين شباب الدعوة السلفية وباقي فئات المجتمع بشتى مشاربهم، فهو جسر ممهد معبد متسع دون قيود أو عراقيل، جسر لا يحتاج إلا لمن يبادر ويكسر تلك الحواجز الزائفة.

موقف كوادر الدعوة السلفية من الإعلام البديل يحتاج إلى إعادة نظر وتصحيح حصري للمسار، الأمر يحتاج إلى بذل وقت ومجهود وتعاهد حقيقي للشباب القائمين على تصوير ومونتاج وتصميم ونشر وتسويق المواد الدعوية والتنموية، الأمر يحتاج إلى عقليات وفكر وإبداع الشباب الواعد، يحتاج إلى تنظيم إداري محكم مدعوم – بحق لا بكلام – من قيادات الدعوة السلفية، تنظيم قادر على الاستثمار الأمثل لطاقات الشباب السلفي الإعلامية، لتصحيح الصورة المشوهة وبناء جسور الثقة ومداوة الآلام وأنات الشباب الحائر والتصدي للأفكار الهدامة التي تنخر في قلب الوطن.

المصدر : ساسة بوست