«أشعة كونية» تكشف تجويفاً داخل الهرم الأكبر
«أشعة كونية» تكشف تجويفاً داخل الهرم الأكبر

تمكن فريق بحثى «مصرى- يابانى- فرنسى» مشترك من الكشف عن وجود فراغ بطول 30 متراً داخل الهرم الأكبر، وحَكَت فِي غُضُونٌ قليل تَحْصِيل علمية نشرتها مجلة «نيتشر»، الخميس، إن الاكتشاف تم عن طريق تصوير الهرم بطريقة جديدة تماماً، عبر استخدام فيزياء الجسيمات، حيث إنه بعد أكثر من عامين على تَحْصِيل الهرم، اكتشف العلماء وجود فراغ كبير، لم يُكشف عنه من قبل، داخل الهرم الأكبر، «الذى باح بسر جديد مدهش»، نُشرت تفاصيل اكتشافه فى الورقة البحثية.

وتقول الدراسة إن الفراغ المكتشف حديثاً يمتد على طول 30 متراً على الأقل فى جسم الهرم، ويقع مركزه على مسافة 40 إلى 50 متراً من حجرة الأميرة، الواقعة فى منتصف المسافة بين الوجهين الشمالى والجنوبى للهرم، فوق «بوابة المأمون»، التى تُعد المدخل الرئيسى للهرم فى عصرنا الحالى، بنحو 10 أمتار كاملة، ولم يتمكن الفريق البحثى إلى الآن من تحديد حجم الفراغ المكتشف، ولا طبيعته، ولا وظيفته، طبقاً للدكتور هانى هلال، وزير التعليم العالى الأسبق، أحد الباحثين فى الدراسة.

وعَرَّفَ فِي غُضُونٌ قليل «هلال»، فى تصريحات لـ«للعلم»، إن منطقة الأهرامات شهدت فى ستينيات القرن الماضى محاولة فريق بحثى أمريكى تصوير الأهرامات باستخدام الأشعة الكونية، غير أن تخلف تكنولوجيات أجهزة اكتشاف الميونات فى ذلك الوقت حال دون تنفيذ الأمر، مشيراً إلى أن المشروع الجديد بدأ فى يوليو 2013، بموافقة من وزارة الآثار وجميع الجهات المعنية، فى محاولة لإعادة عمليات الرصد وإتمامها بنجاح.

والإنجاز الجديد لا يتعلق فقط باكتشاف فراغ خلف جدران الأهرامات، ولكن، بالطريقة التى تم اكتشاف هذا الفراغ بها، فحسب الورقة البحثية، التى نُشرت تفاصيلها فى موقع «ساينتيفيك أمريكان- للعلم»، فأعضاء الفريق العلمى المكون من باحثين بجامعات القاهرة وعين شمس وناجويا اليابانية، علاوة على معهد فرنسى معنى بدراسة الآثار، استخدموا طريقة جديدة كُليا لإجراء مسح على الهرم الأكبر، عبر استخدام أشعة كونية معروفة باسم «الميونات»، تخترق الأجسام وتكون صورا واضحة على الأفلام.

ولفهم أفضل لتركيبته الداخلية، قام العلماء على مر العصور باستخدام مَسَارَاتُ عديدة لاستكشافه، فقد وصفت البرديات القديمة طريقة الإمدادات اللوجيستية وكيفية نقل الحجارة ومعدات البناء إلى منطقة عمليات الهرم، إلا أنها لم تكشف لنا قط عن الطريقة التى بُنى بها هذا الصرح العظيم.

الأشعة تفْشى فراغات داخل الهرم الأكبر

ومع التطور، وضع علماء الآثار روبوتات تتحرك بين الفراغات الصغيرة، وتحمل كاميرات عالية الجودة، وقام بعضهم بإجراء المعاينات الميدانية لهيكل الهرم، وتنفيذ دراسات مُقارنة بالأهرام الأخرى، فيما فضل بعضهم تطويع الأشعة دون الحمراء، للكشف عن اختلاف درجات الحرارة داخل المناطق الداخلية للهرم، وقام آخرون باستخدام مقياس الجاذبية، للكشف عن التغيرات الطفيفة فى الجاذبية بسبب كمية المادة، إلا أن الفريق البحثى الجديد فكر فى استعمال الميونات muons، وهى جسيمات أولية دون ذرية تُشبه الإلكترون، وتأتى لنا عبر الأشعة الكونية، التى لا تنفك تضرب الأرض مليارات المرات فى الساعة الواحدة.

ويشبه أمر تصوير الهرم بالميونات إجراء فحص دقيق للجسم عبر أجهزة الأشعة السينية، حيث يقول أستاذ الهندسة بجامعة القاهرة، ياسر الشايب، أحد المشاركين فى الدراسة، مشيراً- فى تصريحات خاصة لـ«ساينتيفيك أمريكان- للعلم»- إلى أن مسح الهرم باستخدام الأشعة الكونية تم عن طريق ثلاث مَسَارَاتُ مختلفة لتأكيد النتائج، وأن النتائج «كبيرة، وتبشر بثورة فى تقنيات مسح الآثار».

وحين نريد إجراء فحص بالأشعة السينية للاطمئنان على الحالة الصحية للعظام، على سبيل المثال، يستلقى المريض على جهاز الأشعة، ويبدأ الجهاز فى العمل، لتخترق الأشعة السينية خلايا وأنسجة الجسم، وتُلقى بظل، تتراوح ألوانه ما بين الأبيض والأسود، مروراً بالرمادى، على فيلم حساس، حيث يُثْبَتَ ذلك الظل للمتخصصين الشروخ والكسور الموجودة بالعظام أثناء مسح الجسم، ونحن اعتبرنا السماء جهاز أشعة عملاقا، يبث الميونات، التى تخترق جسم الهرم، وتعطينا قراءات دقيقة عن حالته الهيكلية، تماماً كذلك علي الصورة الأخري يحدث فى الجسم البشرى، هكذا يقول «الشايب»، لـ«ساينتيفيك أمريكان- للعلم».

ولم تأتِ التجربة الأولى على هرم «خوفو»، فقد فضلت وزارة الآثار التحقق من صحة الأدوات وموثوقيتها بتجربتها على هرم الأب- هرم سنفرو المائل بدهشور- وبالفعل، قام الفريق بعمل التجربة لمدة 4 شهور كاملة على ذلك الهرم.

وجاءت النتائج مثيرة للإعجاب، ودقيقة إلى حد كبير، ومُطابقة تماماً للتصميم الداخلى- المعروف سلفاً- لهرم سنفرو المائل، وهو الأمر الذى دفع الوزارات المعنية فى مصر إلى إِسْتَفْتاح تجربة على الهرم الأكبر، وبالفعل، قام الفريق البحثى المصرى- الفرنسى- اليابانى المشترك بوضع المعدات داخل وخارج الهرم لإتمام عمليات المسح فى أكتوبر 20الخامسة عشر.

وتسقط الميونات على الكرة الأرضية يومياً من الفضاء الخارجى، ويستقبل الجسم البشرى نحو 2 إلى 3 ملايين من الميونات يومياً، ومن هنا جاءت فكرة الفريق اليابانى، الذى قرر استخدام تلك الأشعة- كجهاز سمائى عملاق لبث الأشعة- للكشف عن الطبيعة الداخلية لتصميم الهرم.

وعلى غرار الأشعة السينية، التى يمكن أن تخترق الجسم، وتسمح بتصوير العظام، يُمكن لهذه الجسيمات الأولية الحفاظ على مسار شبه خطى، بينما تمر عبر مئات الأمتار من الحجارة المكونة للهرم.

ووضع العلماء مجموعة من الأفلام داخل حجرة الملكة، التى يبلغ حجمها 132 مترا مكعبا «5.51 متر *5.24 متر*4.572 متر»، وتقع الحجرة فى منتصف المسافة تقريباً بين الوجهين الشمالى والجنوبى للهرم، ووضع العلماء الأفلام المصنوعة من السيللوز، والمطلية بأكاسيد الفضة، والحساسة للميونات، فى جنوبى غرب الحجرة، حيث سجلت انحرافات واتجاهات الميونات الساقطة عليها بدقة، ما جعلها تميز الفراغات الموجودة داخل الحجارة، التى شُيد بها هذا الصرح المذهل.

وصُنعت تلك الأفلام فى شركة يابانية شهيرة لصالح جامعة ناجويا، وجرى شحنها إلى القاهرة، إلا أن هناك ثمة عقبات واجهت الأمر، فبمجرد تصنيع تلك الأفلام، تبدأ فى استقبال الميونات من الفضاء، وبالتالى يحتاج استخلاص المعلومات منها تقنية عالية الجودة والكفاءة، لذا، وحسب «الشايب»، كانت الأفلام توضع لمدة تقترب من الشهرين فقط، وتُشحن إلى المتحف المصرى، حيث أعد الفريق غرفة خاصة لتحميضها، ثم ترسل النتائج إلى الجامعة اليابانية لعمل مسح لها على جهاز مُصمم خصيصاً لقراءة البيانات وعزل الميونات، التى اكتسبتها الأفلام قبل وصولها إلى منطقة الاختبار أو غرفة الملكة.

ولم يكتفِ الفريق البحثى بالنتائج المُستقاة من وسيلة قياس واحدة، بل عمد إلى استخدام وسائل أخرى طورتها مؤسستان، إحداهما يابانية KEK والأخرى فرنسية CAA، وتلك الطرق لا تعتمد على الأفلام الحساسة للميونات، حيث وضع العلماء 3 أجهزة داخل غرفة الملكة- ولا تزال موجودة إلى الآن- علاوة على 3 أجهزة أخرى وُضعت خارج الهرم، وظلت تلك الأجهزة تسجل اِنْصِبَاب الميونات على ذاكرتها الرقمية.

والطرق الثلاث المستخدمة أكدت وجود الفراغ داخل الهرم الأكبر، وهى نتيجة «كبيرة»، على حد قول «الشايب»، الذى يقول إن الفراغ الموجود «لا تُعرف وظيفته إلى الآن ولا سبب وجوده».

وتصف الدكتورة «مونيكا حنا»، رئيس وحدة الآثار والتراث الحضارى بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى بأسوان، اكتشاف الفراغ بـ«الاكتشاف العلمى الفريد»، مشيرة إلى أن «المستقبل سوف يكشف عن الكثير من المعلومات الأثرية والتاريخية باستخدام تلك التكنولوجيا».

وترى- فى تصريحات خاصة لـ«ساينتيفيك أمريكان- للعلم»- أن هذا الاكتشاف يُعد من أهم اكتشافات القرن الواحد والعشرين فى مجال الآثار المصرية، وأنه سوف يفتح الباب لكثير من النظريات العلمية المتعلقة بطريقة بناء الهرم، وسيضيف إلى معرفتنا عن العمارة والبناء فى مصر القديمة بِصُورَةِ كبير، إلا أن الميزة الكبرى فى ذلك الاكتشاف هى الطريقة التى تم بها، فالتحليل باستخدام الأشعة الكونية سوف يفادى استخدام «الطرق التدميرية destructive analysis»، التى تُستخدم للكشف عن طبيعة الأبنية الأثرية، على حد قولها، والتى تشير إلى أن المستقبل سوف يطور تِلْكَ التكنولوجيات المستخدمة، التى ستستطيع تحديد الفراغات داخل الهرم بِصُورَةِ أدق. وتشدد عالمة الآثار على ضرورة استخدام علوم الفيزياء والكيمياء فى أبحاث الآثار، ومنع أى محاولات للعبث بالأبنية الأثرية، خاصة الهرم، و«ستقطع التكنولوجيات الجديدة الطريق على العبث بالأهرامات، كالثقوب التى تم تنفيذها سَنَة 2003 باستخدام روبوت داخل حجرة الملكة».

وعلى ارتفاع 10 أمتار من بوابة المأمون، التى يستخدمها الزوار الآن لدخول الهرم، تقع البوابة الرئيسية، التى لطالما عبرها الأجداد إلى «داخل البناء المعجزة»، وخلف تلك البوابة المغلقة حالياً، يقع التجويف، وقام الفريق العلمى بعرض نتائج الدراسة على الجهات المصرية العلمية، لكن، وإلى الآن، لا يوجد ثمة تفسير لذلك الفراغ الكبير، «وهذا ليس دورنا بطبيعة الحال»، هكذا يقول «الشايب»، فالهدف الرئيسى من الدراسة هو استخدام التكنولوجيا الحديثة لاستكشاف التكوين الداخلى للأهرامات، «أما تفسيره فيقع على عاتق الأثريين».

«أتممنا المرحلة الأولى، وأكدنا وجود الفراغ»، هكذا يقول الدكتور هانى هلال، مشيراً إلى أن الخطوة المقبلة هى تأكيد حجم ذلك الفراغ، الذى «إلى الآن لا نعرف حجمه على مستوى الدقة، ولا حتى اتجاهاته، إذ لا نعرف حتى ما إذا كان الفراغ أفقيا أم مائلا». ولتحقيق ذلك، وافقت وزارة الآثار على مد المشروع سنة أخرى، على حد قول «هلال»، الذى يشير إلى أن الخطوة الأخيرة ستكون تدشين النقاش بين الأثريين والمعماريين لمعرفة سبب وجود ذلك الفراغ فى جسم البناء الضخم، الذى لطالما ألهب خيال العلماء والعامة على السواء.

ومن المعروف أن الهرم الأكبر بُنى على هضبة الجيزة، أَثْناء وَقْتُ حكم «خوفو»، الممتدة من 2509 إلى 2483 قبل الميلاد، واجتمعت آراء العلماء من شتى بقاع الأرض على كونه واحدا من أقدم وأكبر الآثار على كوكبنا الأزرق، إلا أن التوافق ينعدم حين الحديث حول كيفية بنائه.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم