مثقّفون: الهيئة «جامعة شعبيّة» و«وزارة إعلام متنقّلة».. وفسادها ميراثٌ طويل
مثقّفون: الهيئة «جامعة شعبيّة» و«وزارة إعلام متنقّلة».. وفسادها ميراثٌ طويل

ندواتٌ لمشايخ دين، يراها البعض أقرب للمسجد من قصر الثقافة، ولجانٌ لتقييم المواهب تضم كوادر إداريّة لا فنيّة، ومشروعٌ للنشر يحظى بتخبط يراه البعض عديم الجدوى في ظل دار نشرٍ نظيرة كهيئة الكتاب، كل تلك الخُطى المترنّحة، التي تتخذها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وغيرها الكثير، تحتاج لوقفةٍ عند أبعاد دورها الأساسى، تجعلنا نعبر 7 عقود إلى نهايات النصف الأول من القرن الماضى، بحثًا عن الانطلاقة. في نظرةٍ تحليليّة تؤصّل لدور الهيئة الرئيسى، نعبر رفات السنين، إلى البداية، والتى عندها فقط، يمكن استدراك الانحراف الكبير.

يقول الشاعر والكاتب محمود قُرنى، إنه لا يرى أهمية قصوى لتبنّى هيئة قصور الثقافة مشروعًا للنشر، مُشيرًا إلى أنه من المفترض أن تنهض بهذا الدور هيئات أخرى. ويتابع «قرنى»: «لا أتصور سببًا لهذا الإصرار على تبنى مشروعًا للنشر، سوى أن هذا المشروع يضع المسؤولين في الهيئة بداية من رئيسها والمسؤولين عن مشروع النشر في دائرة الضوء وتقاطعات المصالح».

ويعود صاحب ديوان «لعنات مشرقيّة» لدور الهيئة الأساسى فيقول: «إنها وزارة إعلام متنقلة عبر قصور وبيوت الثقافة التي تتعدى الخمسمائة على مستوى الجمهورية، تتواصل مباشرة عبر كل الفنون والأفكار التنويرية الطليعية في كل ربوع وقراها ونجوعها». ويستطرد: «أظن أن تداخل الأدوار بين هيئات وزارة الثقافة، هو جزء أساسى من الفساد، وهذا الفساد أظنه ميراثا طويلا، ورغم مرور ثورتين على مصر، إلا أنه لايزال يحكم الوزارة نفس الأسماء السابقة».

الكاتب الروائى خالد إسماعيل

يخرج «قرنى» بقراءة «تخبّط الهيئة الداخلى» إلى خارجها، حيث وزارة الثقافة، فيقول إن الدور التنويرى للوزارة ليس بعيدًا عن هذا التخبّط، ويؤكّد «غياب مفهوم الثقافة بِصُورَةِ سَنَة عن الوزارة، وهو المفهوم الذي تحول مع الوقت من كونه معنى جامع لمفهوم الوطنية، إلى معنى جامع لشبكات المصالح، وتجمعات رجال الدولة، الذين يسهرون على مصالحهم داخل الوزارة، ومن المدهش أنه عندما سُئل وزير الثقافة عن دور الوزارة في تقويم الخطاب الدينى، نجده يقول إن الأزهر ووزارة الإنتاج الحربى مسؤولان عن هذا الدور، وسيظل محل تساؤل أيضًا أن تكون فكرة الثقافة نفسها تعتمد على مجموعات من الصفوف الخلفية للمثقفين المصريين، وأظن أن جميع هيئات وزارة الثقافة بما فيها هيئة قصور الثقافة تحتاج إلى إعادة تقييم، وإلى أن يتولى شأنها مثقفون حقيقيون لا أدعياء ولا غرباء عن الثقافة، بالإضافة إلى أن حجم مصر الحقيقية ظلت في الخمسينيات والستينيات في صورة بالغة الشدة القصوي القوة بأصوات مثقفيها وليس بالمليارات ولا بالسلاح أو أي شىء آخر، وحتى المثقفين الذين يشغلون مناصب في الوزارة يتركونها بعد وَقْتُ نتيجة للبيروقراطية وعدم توافر البيئة المناسبة للعمل، ويمكننا النظر إلى سلاسل قصور الثقافة وما يُعلن عنها من إصدارات، لا نرى منها سوى القليل فقط».

ويضيف الكاتب الروائى، خالد إسماعيل: «الدور الرئيسى لهيئة قصور الثقافة يتلخّص في اسمها القديم (الثقافة الجماهيرية) والاسم الأقدم (الجامعة الشعبية) وكل اسم يعبر عن مضمون رسالة تِلْكَ الهيئة، وهو القضاء على الأميّة الثقافية وربط وجدان الطبقات الشعبية بالفنون الحديثة، وهذا كان في زمن كانت فيه وزارة الثقافة تعمل لصالح خطة التنمية العامة التي كانت الدولة الناصريّة تسعى لتطبيقها».

ويتابع صاحب رواية «عرق الصِّبا»، أن «هيئة قصور الثقافة في عهد سمير سرحان، ثم حسين مهران، ومن تلاهما، تحولت للجنة هدفها خلق جيش مثقّفين احتياطى يدافع عن سياسة النظام الحاكم، عن طريق خلق مثقفين في الأقاليم يشبهون جَمِيعَ الاعضاء فِي الحزب الوطنى وأهملت الجماهير إهمالاً تاماً، فتحولت الهيئة من جهة تثقّف الناس إلى دار نشر تُرضى أَغْلِبُ الكتاب، فأصبح وجودها لا يفيد سوى قلّة من المثقفين، حتى أنها فشلت في المنافسة كدار نشر من حيث الأغلفة الرديئة والورق الرخيص والمجاملات»، معتبرًا كل هذا «إهدار مال سَنَة بلا طائل».

ويخلُص صاحب رواية «أرض النبى»، إلى أَغْلِبُ النقاط التي قد تمثّل حلولًا لإنعاش جسد الهيئة الهامد، وهى- كذلك علي الصورة الأخري يرى- «إيقاف النشر الحكومى، ودعم الورق وتسهيل عملية الطباعة للنشر الخاص، واعتبار هيئة الكتاب جهة نشر استراتيجى بمعنى نشر ما يفيد الثقافة المصرية والأعمال التي لا تقوى دور النشر الخاصة على نشرها، فضلًا عن اعتبار الهيئة هيئة مهمتها تقديم الثقافة للشعب عن طريق القوافل الثقافية التي يجب أن تطوف القرى والنجوع في مصر، وإلغاء ما يسمى مؤتمر أدباء مصر، وإعادة تأهيل قصور الثقافة لتقدّم خدمات ثقافية للشعب والتنسيق مع وزارات الشباب والتضامن الاجتماعى، وتحويل أعمال وزارة الثقافة لتكون مهمتها تثقيف الشعب لا خدمة أقلية وهمية منتفعة تسمى نفسها (جماعة المثقفين)، وإعادة الاهتمام بالفولكلور والثقافة الشعبية المصرية واكتشاف وتشكيل فرق موهوبين في الموسيقى والمسرح والسينما».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم