بنت الشاطر.. وغرامة مكرم
بنت الشاطر.. وغرامة مكرم

(1)
إذا راجعنا الخطاب السياسي الرسمي في أَثْناء السنوات الثلاث السَّابِقَةُ، سنكتشف بسهولة أن الحديث عن الإعلام وأهميته في مقدمة اهتمام السلطة الحالية، فالرئيس لم يترك مناسبة إلا وتحدث فيها عن الدور الداعم الذي ينتظره من الإعلام، وبعد جهود طويلة استطاعت الدولة أن تحتوي الإعلام وتتحكم في توجهاته الرئيسية تحت شعار حماية الدولة والحفاظ على قيم المجتمع، وفي سبيل ذلك قَامَتْ بالأنتهاء من تأسيس منظومة متكاملة، تتمثل في تشكيل ثلاث هيئات رسمية لإدارة الصحف والتليفزيون ووسائط الإنترنت، إلى جانب «التوجيه» غير الرسمى وحجب المواقع «الضارة» وإغلاق النوافذ أمام «إعلام هدم الدولة»، ووصلت جهود تطوير الإعلام إلى الدرجة التي دفعت رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (مكرم محمد أحمد) إلى التصريح بفرض غرامات مالية تحضر إلى 200 ألف جنيه على أي جهة إعلامية تنزلق إلى الابتذال، وعَرَّفَ فِي غُضُونٌ قليل في حديث تليفزيوني مع لميس الحديدي إن مجلسه يدرس تطبيق غرامة قدرها الخامسة عشر0 ألف جنيه على كل لفظ مسيء حتى في مسلسلات الدراما، وفي حالة تكرار الألفاظ المسيئة ثلاث مرات يتم إيقاف ترخيص المحطة التليفزيونية، وذكر البيان الذي أصدره المجلس الأعلى الي وسائل الاعلام أن تِلْكَ الغرامات ستطبق بِصُورَةِ حاسم وفوري من منتصف يونيو الماضي ضد أي «ألفاظ» في غضون ذلك تَطَفُّل ضمن فاحش القول وتمثل سبا صريحا وخروجا عن الآداب العامة وتسب الأم والأب والدين.. بالإضافة إلى ما يقترحه مجمع اللغة العربية في تعريف اللفظ البذىء وفاحش القول، لكن يبدو أن «الخامسة عشر يونيو» لن يأتي أبدا عند مكرم ومجلسه، لأن الإعلام المصري لم يتوقف عن البذاءات والقول الفاحش والخوض في الأعراض ونشر خصوصيات الناس دون مسوغ من القانون، ونشر صور المتهمين قبل صدور أحكام قضائية نهائية ضدهم، ولعل «حديث الإفك» الذي خاض في سيرة «عائشة» ابنة القيادي الإخواني أوضح مؤشرا للابتذال الإعلامي والأخلاقي الذي كنا ننتظر من الأستاذ مكرم ومجلسه التصدي له.
(2)
مشاكل الطلاق والزواج في الأحوال العادية ليست قضايا سياسية، لكن الصحافة الصفراء تعيد تقديمها حسب شهرة أطرافها، لذلك تحولت خصوصيات المشاهير إلى منطقة مستباحة لإعلام الابتذال، وتم خلق عادات إعلامية لجذب القراء من أَثْناء الخوض في سيرتهم، ومع تراجع مواثيق الشرف، وتدني أخلاق أَغْلِبُ الإعلاميين تم توسيع مساحة الابتذال لتشمل السياسة والسياسيين، لكن هذا الابتذال ظل محصوراً في الصحافة الشعبية، وصحف المعارضة، ولم يسقط الإعلام الرسمي في مستنقع الابتذال من قبل إلا فيما ندر، لكن المرحلة الحالية شهدت انحرافا كبيرا للخطاب الرسمي في الإعلام وفي غيره، بحيث صارت اللغة الإعلامية المرتبطة بالخط الرسمي تحاكي وتنافس لغة الصحافة الصفراء، حتى وصل الأمر في أَغْلِبُ الحالات إلى سرقة وتسريب مقاطع فيديو مسيئة وخاصة، وعرضها على شاشة قناة تليفزيونية مرخصة قانونا، بهدف فضح نائب في البرلمان، ولسبب ما تم احتواء الأزمة بِصُورَةِ فردي والاعتذار للنائب عن عرض المقاطع، لكن الاتجاه نفسه ظل مستمرا مع آخرين دون تراجع أو اعتذار، وهذا يعني أن هناك من يقوم بتصنيع الفضائح لاستخدامها في «التنكيل السياسي» وهناك من يقوم بعرضها وتوظيفها إعلاميا، وهذا يكشف عن علاقة غير شرعية بين السياسة والإعلام في تصنيع الفضائح السياسية.
(3)
لنقرأ هذا الخبر ونقيس مدى جاذبيته للجمهور: «السيدة (ن. ع) تخلع زوجها (س. ص) الذي قام برفع دعوى زنا ضد زوجته لمشاهدتها مع شخص آخر أمام مسكنها».. ربما تقرا الخبر ثم تتجاوزه إلى أخبار شبيهة تمتلئ بها صفحة الحوادث في الصحيفة التي تقرأها، لكن عندما تذكر أن تِلْكَ السيدة هي زوجة الفنان الكبير أو ابنة الوزير، فإن الأمر سيختلف، ليصبح المدخل وتصبح الضجة حول اسم الفنان أو الوزير أو رجل الأعمال الشهير، وهو ما حدث في الخبر المبتذل الذي نشرته أَغْلِبُ الصحف عن ابنة «القيادي الإخواني»، فالمقصود من الخبر ليس مشاكل الزواج والطلاق، وليس الرغبة في النقد الاجتماعي أو الصلح العائلي، لكن المقصود هو وصم الإخوان بفضيحة أخلاقية، واستثمار مشاكل عائلية تحدث داخل كل بيت في صراع سياسي، وهنا يتعرى الإعلام وينزع عن المجتمع أخلاقه وقيمة الستر التي يقدرها المصريون، ليكسب نقطة ضد الخصم، فالسلوك الحقير و«اللفظ المسيء» و«القول الفاحش» لا يمكن أن يجلب الاحترام، فهل ينتبه الأستاذ مكرم إلى أننا في أغسطس، وأن الخامسة عشر يونيو فات، من دون أن يتقدم خطوة على طريق معاقبة المبتذلين.
[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم