بول ماسون يكتب: الديمقراطية تحتضر فى الدول العالمية
بول ماسون يكتب: الديمقراطية تحتضر فى الدول العالمية

رَأْي شهر يوليو الماضى أحداثا قاسية ساهمت فى الانهيار العالمى للديمقراطية، ومن ضمنها محاكمة انقرة لصحفيين بارزين من صحيفة «جمهوريت» الشهيرة، وحظر الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، الشبكات الافتراضية الخاصة، والتى يستخدمها الناشطون الديمقراطيون للتهرب من الرقابة، استفضالاً عن قرار شركة «أبل»، الأمريكية سحب تِلْكَ الشبكات الافتراضية أيضًا من متجرها الإلكترونى الصينى.

وهناك حملة الملصقات التى تمولها الحكومة فى المجر، والتى تصور أحزاب المعارضة، والمنظمات غير الحكومية، كدمية فى يد الملياردير اليهودى جورج سوروس، فضلًا عن تخلى بولندا عن استقلال القضاء، وانتخابات الجمعية التأسيسية فى فنزويلا، والتى قاطعها أكثر من نصف السكان.

وما يطغى على كل ذلك هو الخلاف الدستورى ذو الـ٣ محاور فى الولايات المتحدة، بين الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب (المتهم بوجود صلات بينه وبين روسيا)، ومحاميه العام (الذى منع نفسه من التحقيق فى الروابط الروسية)، والمدعى الخاص الذى يحقق مع ترامب.

والحقيقة الواضحة الآن هى أن الديمقراطية باتت تحتضر فى الدول العالمية، والشيء الأكثر إثارة للإعجاب هو أن عددا قليلا من الناس فقط هم من يشعرون بالقلق حيال ذلك، فالأمريكيون الذين يشعرون بالقلق إزاء الوضع الحالى قلقون من ترامب نفسه، وليس من دستورهم، كذلك علي الصورة الأخري يجَاهَرَ السياسيون الأوروبيون عن استيائهم الدبلوماسى بِصُورَةِ مهذب من محاولات حزب العدالة والتنمية التركى، تحطيم ديمقراطياتهم.

والمشكلة هى أن الوضع الحالى بات يضع معايير جديدة للسلوك فى الدول العالمية، فليس من قبيل الصدفة انتشار مصطلح «أعداء الشعب»، فقد استخدمه رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان ضد الملياردير جورج سوروس، واستخدمه ترامب ضد الصحافة الليبرالية، واستخدمته الدولة الصينية لسجن الشاعر ليو زياوبو، وإبقائه فى السجن حتى وفاته.

وهناك أسلوب جديد بات منتشرًا فى الدول العالمية أيضًا، وهو الهجوم على المعارضين، حيث لم يَنْتَهِي أردوغان على إقالة عشرات الآلاف من الأكاديميين المعارضين، وسجن بعضهم، ولكنه قام أيضًا بتجريدهم من حقوقهم فى الضمان الاجتماعى، وألغى حقوقهم فى ممارسة التدريس، وفى أَغْلِبُ الحالات فى السفر، كذلك علي الصورة الأخري يتورط ترامب فى حَمْلَة مماثل على ما يسمى «مدن الملاذ»، فقد تعهدت حوالى ٣٠٠ حكومة محلية أمريكية، بِصُورَةِ قانونى، بعدم التعاون مع وكالة الهجرة الفيدرالية الدولية، وفى الأسبوع الماضى، هدد النائب العام الأمريكى جيف سيشنز، بقطع الإعانات عن المدن والولايات التى تحمى مرتكبى جرائم من المهاجرين من تطبيق قوانين الهجرة الاتحادية عليهم، وهى خطوة أشاد بها ترامب.

وعَرَّفَ فِي غُضُونٌ قليل ترامب، فى مؤتمر لأنصاره فى أوهايو، إن الحكومة الفيدرالية كانت فى الواقع «تحرر» المدن الأمريكية من عصابات الجريمة المهاجرة، وعَرَّفَ فِي غُضُونٌ قليل «إنهم يأخذون الفتيات الجميلات، ذوات الـ١٦ عاما، ويقومون بتشريحهن بالسكاكين»، ولكن لم يذكر ترامب أى دليل على كلامه.

وبالطبع لا تعد تِلْكَ الأمثلة على الحكم الاستبدادى جديدة، ولكن ما يجعلها جديدة هو استخدامها بِصُورَةِ مشترك من قبل الحكام المنتخبين- بوتين، والرئيس التركى رجب طيب أردوغان، وأوربان، وترامب، والرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، والرئيس الفلبينى رودريجو دوتيرتى، ورئيس الوزراء الهندى ناريندرا مودي- الذين يتشاركون بِصُورَةِ واضح للغاية فى مشروع سريع، ومقصود، ومشترك، لتدمير الديمقراطية، ولكن ما يلفت النظر أيضًا هو أنه لا يوجد فى الوقت الحاضر بلد رئيسى مستعد لوضع معايير عالمية إيجابية للديمقراطية.

ففى كتابها، فى سَنَة ٢٠١٥، «إسقاط الديمقراطيات»، عَرَّفَت فِي غُضُونٌ قليل أستاذة العلوم السياسية فى جامعة كاليفورنيا، بيركلى ويندى براون، إن تراجع التُّرَاثُ الاخلاقي الديمقراطية فى الدول العالمية كان مدفوعًا من قبل اعتماد الاقتصاد النيوليبرالى.

وقد حث مقاتل المقاومة الفرنسية، ستيفان هيسيل، فى سَنَة ٢٠١٠، الجيل الصاعد من نشطاء العدالة الاجتماعية على تذكر المعركة التى قام بها هو وآخرون أثناء صياغة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، فى سَنَة ١٩٤٨، فقد قاتلوا من أجل كلمة «العالمى» وليس «الدولى» كذلك علي الصورة الأخري اقترحت معظم الحكومات حينها، وذلك لأنهم كانوا يدركون أن الخلافات حول السيادة ستظهر حصريًا أم آجلًا لحرمانهم من الحقوق التى يعتقدون أنهم قد حصلوا عليها، فقد بدا غريبًا، فى ذلك الوقت، حتى لأولئك المتعاطفين مع هيسيل، أن يستمعوا لهذه المحاضرة الطويلة، والمتكررة، حول مفهوم العالمية، لكنه فى الواقع كان عميقا.

والمأساة اليوم أنه لا توجد حكومة ديمقراطية واحدة على الأرض مستعدة للدفاع عن هذا المبدأ، فمن المؤكد أنهم سيصدرون مذكرات استياء ضد وفاة الشاعر الصينى ليو زياوبو فى السجن، أو ضد حملة ملصقات حكومة مادورو، لكنهم يرفضون إعادة التأكيد على عالمية المبادئ التى تنتهكها تِلْكَ الأعمال.

ولذا، فإنه يجب أن ينوي النِّضَالُ من أجل المبادئ العالمية من جديد من قبل الأفراد العاديين، حيث يجب أن نستمر جميعًا فى التأكيد على أنفسنا، وعلى المحيطين بنا، أن حقوقنا الإنسانية، كذلك علي الصورة الأخري ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ فى إِبْلاغ سَنَة ١٩٤٨، «متساوية وغير قابلة للتصرف»، وهذا يعنى أنه فى حال سلب أحدهم تِلْكَ الحقوق من رعاياه، فكأنه سلبها منا جميعًا.

فكل تقدم ديمقراطى حدث فى التاريخ، من الثورة الإنجليزية فى سَنَة ١٦٤٢ إلى اِنْصِبَاب الشيوعية السوفييتية فى سَنَة ١٩٨٩، بدأ عندما أدرك الناس مفهوم الحقوق التى خلقوا بها، وليس التى مُنحوا إياها، وهذا يعنى أن اليوم يتعين علينا أن نتعلم التفكير كأُناس أقويَاءُ لِهُمْ حَرَيْتِهُمْ، وليس كأشياء اقتصادية، ولكى نستطيع وقف هؤلاء الذين يرغبون فى تدمير الديمقراطية، فإنه يجب أن نغير طريقة نظرتنا إلى الدول العالمية.

نقلاً عن صحيفة الـ«جارديان» البريطانية

ترجمة- فاطمة زيدان

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم