عبد المنعم سعيد: لا يوجد تسليم بأخطاء الدولة «العميقة»
عبد المنعم سعيد: لا يوجد تسليم بأخطاء الدولة «العميقة»

عَرَّفَ فِي غُضُونٌ قليل الكاتب عبد المنعم سعيد، إن ما نشره الدكتور سعد الدين إبراهيم، في مقالة له بوجود جماعة "أصوات من أجل الديمقراطية" من النشطاء والمثقفين خارج مصر ترصد ما وصل به الوضع في مصر، مشيرًا إلى أن المناخ شائع بالفعل بين طائفة غير قليلة من المهاجرين المصريين فى الغرب خاصة بين التيارين الليبرالي والإسلامي، الطريف أنه مهما كانت التناقضات بين هؤلاء وهؤلاء فإنه من الناحية العملية ينتهى الأمر إلى حلف «فيرمونتى» كذلك الذى جرى فى فندق فيرمونت قبيل الانتخابات الرئاسية المصرية سَنَة 2012.

وأضاف في مقالة له بـ"المصري اليوم": "تفاصيل ما تطرحه الجماعة الليبرالية داخل وخارج مصر تستحق النقاش، ولكن الجماعة نفسها هى الأخرى تستحق المساءلة عن دورها فيما جرى ويجرى الآن فى مصر.. فماذا فعلت جماعة «أصوات من أجل الديمقراطية» بعد الأيام الثلاثة الأولى من ثورة يناير وابتداء بجمعة الغضب الشهيرة التى لم يجر فقط فيها الهجوم على الشرطة، وإنما على أقسام البوليس، ومجمعات المحاكم، ومقرات الحزب الوطنى، حتى فقد الشارع والمدن الكبرى كل صُورَ الأمن وتنظيم الدولة".

وختم مقاله بأن الرسالة هنا من "صوت من أجل مصر ديمقراطية" يطرح أنه آن الأوان لكى يقوم الليبراليون والديمقراطيون بالتخلص من آفة الإخفاق المستمر، والقيام بدورهم فى تحمل المسؤولية الثقيلة لبناء الدولة، والتخلص من الإرهاب، وتنمية بلد طال مكوثه ضمن الدول المتخلفة .

واليكم نص المقال..

فى مقال أخير للدكتور سعد الدين إبراهيم نشرته «المصرى اليوم» فى 22 يوليو المنصرم وجرت إشارة فيه إلى وجود جماعة «أصوات من أجل مصر الديمقراطية» من النشطاء والمثقفين خارج مصر؛ والذين فيما ذكر قاموا بنشاط سياسى وإعلامى خارج مصر قبل ثورة يناير حتى حدثت فناصرتها، ومؤخرا فإنها عادت مرة أخرى إلى الساحة لكى تقوم بنفس الدور نظرا لأن الأحوال المصرية باتت لا تختلف كثيرا عما كانت عليه الحال قبل الثورة الأولى ورغم سفرى المتعدد إلى أوروبا والولايات المتحدة، فإن تِلْكَ الجماعة إما أنها غير موجودة، أو أنها من الصغر بحيث يصعب العثور عليها؛ ولكن ما يهمنا أن الأفكار التى عبر عنها صديقنا العزيز، وأستاذ علم الاجتماع المقدر، شائعة بالفعل بين طائفة غير قليلة من المهاجرين المصريين فى الغرب. هؤلاء فى عمومهم يرفضون ما يحدث فى مصر، مرة من اليمين لأن جماعة الإخوان المسلمين وأفكارها متغلغلة؛ ومرة أخرى من اليسار الليبرالى الذى ضجت أعصابه وعقوله من التساؤل: لماذا لا تكون مصر مثل تلك الدول التى نعيش فيها، غنية وديمقراطية ومتقدمة، ومنظمة وشوارعها نظيفة؟ الطريف أنه مهما كانت التناقضات بين هؤلاء وهؤلاء فإنه من الناحية العملية ينتهى الأمر إلى حلف «فيرمونتى» كذلك الذى جرى فى فندق فيرمونت قبيل الانتخابات الرئاسية المصرية سَنَة 2012، وبايعت فيها طائفة ليبرالية الدكتور محمد مرسى رئيسا، وجماعة الإخوان المسلمين الفاشية السرية قائدة للبلاد!.

مقال صديقى الذى تعلمت منه أن البحث العلمى لا يكون فقط فيما هو منطوق به، وإنما كذلك علي الناحية الأخري ، بِصُورَةِ عام، وربما لا يقل أهمية المسكوت عنه، لا يحتوى على كلمة «الإرهاب» مرة واحدة، ولا جاءت كلمتى «الإخوان المسلمين»، ولا بالطبع باقى أسماء الجماعات الإرهابية الأخرى. غرابة هذا لا تكمن فى السكوشت أو التجاهل، أو حتى الإشارة إلى الرفض المطلق للإرهاب والعنف كذلك علي الصورة الأخري يليق بالليبرالى والجماعة الليبرالية كلها، وإنما توجد فى التعامل مع المسألة الأزلية وهى كيف يمكن قيام مجتمع ديمقراطى تعددى ومتنوع ويقوم على أساس المواطنة، فى وجود جماعات فاشية وإرهابية وعسكرية وسرية؟ الهروب من الإجابة على السؤال إلى أن سبب وجود تِلْكَ الجماعات من الأصل يعود إلى الاستبداد لا يحل المعضلة، فلم تكن ألمانيا استبدادية حينما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ هتلر إلى السلطة سَنَة 1933؛ ولا كانت مصر كذلك عندما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ محمد مرسى إلى السلطة سَنَة 2012؛ ولا كان الاستبداد شائعا فى بلجيكا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة وألمانيا والهند عندما يعَرَضَ فِي غُضُونٌ وقت قليل للغاية فيها العمليات الإرهابية. والحقيقة التجريبية فى البحوث الاجتماعية أنه لا توجد علاقة بين الإرهاب من ناحية والنظام السياسى ولا الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. الفاشية والإرهاب كلاهما أيديولوجية فكرية تعصف بأفراد هم فى العادة من الطبقة الوسطى وتدفعهم إلى العنف والاستيلاء على السلطة السياسية لإقامة نظم مستبدة وشمولية.

تفاصيل ما تطرحه الجماعة الليبرالية داخل وخارج مصر تستحق النقاش، ولكن الجماعة نفسها هى الأخرى تستحق المساءلة عن دورها فيما جرى ويجرى الآن فى مصر. فماذا فعلت جماعة «أصوات من أجل الديمقراطية» بعد الأيام الثلاثة الأولى من ثورة يناير وابتداء بجمعة الغضب الشهيرة التى لم يجر فقط فيها الهجوم على الشرطة، وإنما على أقسام البوليس، ومجمعات المحاكم، ومقرات الحزب الوطنى، حتى فقد الشارع والمدن الكبرى كل صُورَ الأمن وتنظيم الدولة. لم يكن أيا من ذلك شرطا من الشروط اللازمة لدولة ديمقراطية وليبرالية، بل إن ما حدث فعليا كان التسليم بدعوة الجيش للتدخل من ناحية تحت شعار «الجيش والشعب إيد واحدة»، مع الاعتراف بقيادة الإخوان للثورة كذلك علي الصورة الأخري ثْبَتَ فى مسألة «التعديلات الدستورية» التى وضعتها الجماعة، ووافق «الشعب» عليها فى استفتاء سَنَة حر وديمقراطى. لم يكن الأمر مختلفا كثيرا عما جرى فى ألمانيا سَنَة 1933 أن تمهد الإجراءات الديمقراطية الطريق للحكم الفاشى. ثورة يونيو 2013 اختصرت الطريق أُجَمِّعُ، وبعد خروج 30 مليون مصرى، كانت دعوة الجيش وحده تِلْكَ المرة للقيادة، والتصديق على ذلك فى 26 يوليو بتفويض القوات المسلحة لاستعادة الأمن فى البلاد، وتنفيذ خريطة الطريق التى وضعتها قيادة الثورة الجديدة.

ماذا فعلت الجماعة الليبرالية والديمقراطية مع الحقائق المرة التى تؤكد أن فكرة «السلمية» لم تكن أكثر من شعار راج فى الأيام الأولى للثورة الأولى ولكن لم يعد له مشهد فى الواقع. والحقيقة أن مصر لم تشهد أبدا مظاهرة «سلمية» بالمعنى الصحيح للكلمة، لا من الذين تظاهروا فى شارع محمد محمود بينما يريدون الزحف على وزارة الداخلية لإحراقها كذلك علي الصورة الأخري جرى مع المجمع العلمى، ولا من الذين تظاهروا لمطالب متنوعة بينما يقطعون الطريق العام، ويهددون بالاعتصام والثورة من جديد فى بلد لم يستشر فيه أحد عما إذا كان الشعب فى حاجة إلى ثورة جديدة. الليبرالية والديمقراطية تحتاج إلى ليبراليين وديمقراطيين لا يقلون شجاعة وحنكة سياسية فى مواجهة الإرهاب والفوضى فى الدولة عن القوى الوطنية الأخرى فلا يترك نائب رئيس الجمهورية موقعه بمجرد الاقتراب من قرارات صعبة كذلك علي الصورة الأخري فعل الدكتور محمد البرادعى؛ ولا تقوم بدورها السياسى لتقوية التحالف الوطنى الديمقراطى الحاكم بالفعل كذلك علي الصورة الأخري حدث مع وزارة الدكتور حازم الببلاوى والتى قامت على جَمِيعَ الاعضاء فِي وأفكار حزب مصر الاقتصادى والاجتماعى.

وحتى تكون الأمور واضحة فإن مناقشة ما ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ فى مقال الدكتور سعد الدين إبراهيم عن جماعة «أصوات من أجل مصر الديمقراطية» تأتى من صوت ليبرالى وديمقراطى لا يرى حال السلطة فقط فى المعادلة السياسية، وإنما حال كافة الجماعات السياسية والمدنية فى البلاد وما تقوم به وما تستهدفه. هنا لا يوجد فقط تسليم بأخطاء الدولة «العميقة»، ولا بالتعسف فى استخدام القوة، ولكن فى نفس الوقت لا يوجد تجاهل للظرف التاريخى، وحالة التخلف الضاربة فى كافة المؤسسات. وضع ذلك فى السياق العام يجعل لوم الرئيس السيسى على مشروعاته فى تفريعة قناة السويس أو العاصمة الجديدة، لا يكون إلا ببرنامج مقابل سياسى واقتصادى واجتماعى، وللأسف لا أراه ماثلا ولا حاضرا ولا مطروحا فى انتخابات قادمة. ولا يصير ليبراليا ولا ديمقراطيا وضع تصرفات مجلس النواب أساسا لبطلان قراراته لأن هوى المتحدث كان فى جانب الأقلية وليس الأغلبية. وفيما أعرف فإنه لا يمكن الحكم بالبطلان على قرارات مجلس نيابى لأن 28فِي المائة من الناخبين صوتوا له طالما أن أحدا لم يشكك فى نزاهة التصويت؛ والعهدة فى تصحيح ذلك يكون على الليبراليين والديمقراطيين، ربما أكثر من غيرهم فى إقناع الناس بالذهاب إلى صناديق الانتخاب القادمة. والعهدة عليهم أكثر فى تطبيق الدستور الذى يعطى المجلس حقوقا والتزامات تخص السلطة التشريعية لا ينبغى التخلى عنها.

المصدر : المصريون