ذي إنترسيبت: بريد العتيبة يكشف علاقته بمراكز تفكير واشنطن
ذي إنترسيبت: بريد العتيبة يكشف علاقته بمراكز تفكير واشنطن
كشف موقع "ذي إنترسيبت" الأمريكي، الأحد، أن العلاقات الوثيقة التي أقامتها دولة الإمارات العربية المتحدة عن طريق سفيرها في واشنطن يوسف العتيبة مع مراكز التفكير في واشنطن، مهمتها إنفاذ الأجندة الإماراتية.

وبحسب تقرير للموقع ترجمته "" فإن حكومة دولة الإمارات تعتبر واحدة من أكثر الحكومات قمعا في الدول العالمية، حيث تقوم تِلْكَ الدكتاتورية الخليجية بحظر المعارضة الداخلية وتمكن لأوضاع مهينة ومسيئة للعمالة الأجنبية الضخمة المتواجدة على أرضها. كذلك علي الصورة الأخري أنها تلعب دورا أساسيا في الحرب الدموية التي تتحدث رحاها في صنعاء، وتدير شبكة من سجون التعذيب في المناطق "المحررة" من البلاد. 

وما يزيد الأمر دهشة أن الإمارات العربية المتحدة يندر أن تتعرض للنقد من قبل مراكز التفكير الرائدة في الولايات المتحدة، التي لا تكتفي بتجاهل ما تمارسه تِلْكَ الدكتاتورية الخليجية من قمع، بل وتوفر وضعا تفضيليا ومنصة مفتوحة لسفيرها يوسف العتيبة، الذي يعتبر صوتا نافذا جدا في أوساط صناعة السياسة الخارجية الأمريكية، والمعروف في واشنطن باستخدام دفتر شيكاته لتجنيد الحلفاء. 

بدأ قراصنة في الشهر الماضي بتسريب رسائل إيميل حصلوا عليها من حساب كان العتيبة يستخدمه لأعماله الرسمية. وقد بادر القراصنة بإرسال رسائل الإيميل المسربة إلى عدد من المواقع الإخبارية، بما في ذلك "ذي إنترسيبت"، و"ذي ديلي بيست"، و"الجزيرة"، و"هافنغتون بوست". 

ويطلق القراصنة على أنفسهم اسم "غلوبال ليكس" (التسريبات العالمية)، وادعوا مسبقا أنهم ينتمون إلى موقع "دي سي ليكس"، الذي تتهم أوساط الاستخبارات الأمريكية الحكومة الروسية بالتحكم به وتشغيله لحسابها. ولكن ليس واضحا تماما ما إذا كان قراصنة "غلوبال ليكس" ينتسبون إلى روسيا أم إنهم يقصدون إعطاء الانطباع بوجود علاقة لهم بها وحسب.

وكان هؤلاء القراصنة لدى سؤالهم عن دوافعهم من تسريب معلومات سابقة إلى "إنترسيبت" قد قالوا بلغة إنجليزية مكسرة عبر الإيميل بأنهم "لا ينتمون إلى أي بلد أو إلى أي دين" ولكنهم أضافوا أن هدفهم هو "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".

وتوفر مجموعة رسائل الإيميل التي مررت مؤخرا إلى "ذي إنترسيبت" وغيرها من وسائل الإعلام فرصة لإلقاء نظرة عميقة على الطريقة التي يتبعها العتيبة (سفير الإمارات في واشنطن) في إيجاد أو شراء كثير من الأصدقاء في مراكز التفكير في العاصمة الأمريكية.

وتبين الوثائق كيف تتمكن المملكة الصغيرة ذات الثراء النفطي الهائل من الحصول على نفوذ يفوق حجمها في السياسة الخارجية الأمريكية، وتظهر كيف يحصل السفير على خدمات المسؤولين السابقين في إدارة الرئيس أوباما -بما في ذلك مرشح هيلاري كلينتون لمنصب وزير الدفاع- مقابل دفعات مالية كبيرة. 

فاتورة بمبلغ ربع مليون دولار

وكانت إحدى الوثائق التي حصلت عليها "ذي إنترسيبت" عبارة عن فاتورة من مركز الأمن الأمريكي الجديد، وهو مركز تفكير متنفذ تأسس في سَنَة 2007 على يد مجموعة من خريجي إدارة كلينتون..

وتطالب الفاتورة المؤرخة في الثاني عشر من تموز/ يوليو 2016 سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة بدفع مبلغ ربع مليون دولار مقابل ورقة بحثية حول النظام القانوني الذي يحكم تصدير الطائرات بدون طيار ذات الاستخدام العسكري. وقع على الفاتورة ميشيل فلورنوي، التي كانت مسؤولة كبيرة في وزارة الدفاع الأمريكية في عهد الرئيس باراك أوباما، وكان يتوقع على نطاق واسع أن ترشحها هيلاري كلينتون لمنصب وزير الدفاع في إدارتها. فلورنوي هي أحد مؤسسي مركز الأمن الأمريكي الجديد، وتشغل الآن منصب المدير التنفيذي للمركز بالإضافة إلى عملها الإضافي في مجال الاستشارات الإدارية. 

من المفروض أن مراكز التفكير عبارة عن مؤسسات مستقلة، ولكنها كثيرا ما تمول من قبل شركات السلاح، ومصارف "وول ستريت" وحتى الحكومات الأجنبية. ولا يخفي مركز الأمن الأمريكي الجديد حقيقة أنه تلقى مالاً من الإمارات العربية المتحدة، بل ويذكر ضمن قائمة المتبرعين له في موقعه على الإنترنت سفارة الإمارات في واشنطن. في العادة تؤكد تِلْكَ المؤسسات، بما فيها مركز الأمن الأمريكي الجديد، أن الباحثين الذين يعملون لديها مستقلون عن المتبرعين الذين يدعمونها بالتمويل، وأن تحليلهم إنما يعكس ما يؤمنون به شخصيا وليس مصالح المتبرعين المتنفذين. 

إلا أن الفاتورة ورسائل الإيميل التي حصلت عليها "ذي إنترسيبت" تقدم صورة مختلفة تماما، إذ إنها تكشف عن علاقة وثيقة بين مركز الأمن الأمريكي الجديد والعتيبة الذي دفع أموالاً مقابل أوراق بحثية محددة ناقش هو بنفسه الآراء التي وردت فيها مع مؤلفيها. وقد شرح العتيبة في وقت لاحق لمن كانت تناط بهم مسؤولية إعداد الأوراق البحثية كيف ستستخدم الوثائق في سبيل الدفع قدما ببرنامج الإمارات العربية المتحدة لاقتناء طائرات بدون طيار. 

في الحيز المخصص لوصف العمل الذي من أجله تقدم الفاتورة ورد النص على أنها مقابل "إِعَانَة تَحْصِيل المركز حول نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ". ويشير نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ إلى الاتفاقية الموقعة من قبل خمسة وثلاثين بلدا والتي تحكم تصدير أسلحة معينة ذات أحجام ضخمة. ويمكن للأقطار أن تتقدم بطلب للعضوية في نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ حتى تصبح مؤهلة لشراء تلك الأسلحة. ولكم شكلت اتفاقية نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ صداعا لقطاع صناعة الطائرات بدون طيار لأن أَغْلِبُ منتجاتها تصنف على أنها صواريخ، ما يزيد في صعوبة تصديرها. كذلك علي الصورة الأخري أن الاتفاقية أزعجت حلفاء الولايات المتحدة الذين يرغبون بشدة في وضع أيديهم على الطائرات الأمريكية الهجومية بدون طيار ذات التقنيات العالية وبالغة التعقيد. 

وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من البلدان التي وصلت إلى طريق مسدود في ما يتعلق باتفاقية نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ، حيث منعت إدارة الرئيس أوباما بيع أَغْلِبُ أنظمة التسليح إلى الإمارات نظرا لأن اتفاقية نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ تحظر بيعها لغير الحلفاء المقربين، وقد عمل أَغْلِبُ المشرعين على دفع إدارة ترامب باتجاه السماح بإجراء عملية البيع. 

ويشتمل جزء من الحملة التي نظمت للسماح للإمارات العربية المتحدة بشراء تِلْكَ الطائرات بدون طيار على أعمال تناط بمراكز البحث والتفكير. وبناء على رسائل إيميل حصلت عليها "ذي إنترسيبت"، كلف العتيبة مركز الأمن الأمريكي الجديد بإعداد ورقة بحثية حول نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ.

وفي رسالة إيميل مؤرخة في الرابع والعشرين من حزيران/ يونيو 2016، كتبت فلورنوي تقول: "يوسف، هذا هو مقترح مركز الأمن الأمريكي الجديد لمشروع يحلل الفوائد الكامنة والتكاليف المتوقعة لانضمام الإمارات العربية المتحدة إلى اتفاقية نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ، حسبما جرى بيننا من نقاش. أرجو أن تخبرنا إن كان هذا هو المطلوب".

وفي الحادي عشر من تموز/ يوليو تابعت فلورنوي مع العتيبة، وكتبت إليه تقول: "نعتقد أن الدراسة يمكن إجراؤها مقابل 250 ألف دولار. ويسعدنا أن نوافيك بمقترح جديد ضمن نفس المواصفات هذا الأسبوع إذا كان ذلك مقبولا". وفي رسالة إيميل إلى العتيبة مؤرخة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، كان إيلان غولدنبيرغ، مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في مركز الأمن الأمريكي الجديد، صريحا ومباشرا بشأن إِعَانَة الإمارات العربية المتحدة لأعمال المركز الخاصة باتفاقية نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ. 

ولاحظ متكلاماً: "نقطة إدارية واحدة، كنا قد اتفقنا مبدئيا على أنكم ستوفرون الدفعة الثانية من دعمكم المالي للمشروع حينما نكون في منتصف الطريق، والذي وصلنا إليه حاليا على ما أظن. ولذلك سوف أكلف شخصا من فريق التنمية التابع لنا بموافاتك بتفاصيل الحساب البنكي وبالفاتورة أَثْناء الأيام القليلة القادمة".

وكان غولدنبيرغ من المسؤولين السابقين في إدارة أوباما، وكان مكلفا بالأعمال الخاصة بالسياسة تجاه الحكومة الإيرانية داخل مكتب وكيل وزارة الدفاع. أما الآن فهو يعمل زميلا رفيعا في مركز الأمن الأمريكي الجديد. 
وفي شباط/ فبراير من هذا العام، أرسل غولدنبيرغ بدراسة نظام التحكم بتكنولوجيا الصواريخ إلى العتيبة الذي وزعها بدوره على كبار المسؤولين في حكومة وجيش دولة الإمارات العربية المتحدة.

وفي شهر أيار/ مايو، أرسل العتيبة رسالة إيميل إلى كل من فلورنوي وغولدنبيرغ يفتخر بالدراسة ولما تشتمل عليه من منافع بشأن الدفع قدما بأجندة تِلْكَ الدولة الخليجية الدكتاتورية. وكتب إليهما يقول: "وشكرا لكما على التقرير الذي أظن أنه سيدفع بالنقاش في الاتجاه الصحيح، فبعض صانعي العربات الجوية غير المأهولة يدفعون باتجاه هدف مشابه، ولذلك قد يساعد هذا التقرير على تقوية حججهم".

أما في شهر حزيران/ يونيو، فقد أنتج مركز الأمن الأمريكي الجديد، ورقة بحثية تخلص إلى نفس الاستنتاجات، مؤكدا على أن تردد الولايات المتحدة الأمريكية في نقل الطائرات الأمريكية بدون طيار سوف يضر بالمصالح الأمريكية بطرق ملموسة. وعَرَّفَ فِي غُضُونٌ قليل التقرير إن أَغْلِبُ البلدان باتت الآن بدلا من ذلك تتوجه نحو الصين للحصول على التكنولوجيا. وقد ظَهِرَ وَكَشْفُ وَبَانُ ذكر الإمارات ضمن قائمة تلك البلدان التي حظر عليها شراء أَغْلِبُ أنواع من الطيارات بدون طيار، وتحولت بدلاً من ذلك نحو الصين.

وكان الهدف الصريح للورقة البحثية هو دفع إدارة ترامب للتحرك بشأن تلك السياسة. وفي تصريح لموقع "ذي إنترسيبت"، رَسَّخَ المتحدث باسم مركز الأمن الأمريكي الجديد أَخَذَ أورويتز أن المركز قبل مبلغا قدره ربع مليون دولار مقابل إعداد ورقة خاصة طلبها مسؤولون في الإمارات العربية المتحدة. وأضاف أورويتز: "وفر هذا البحث دعما لمشروع يقوم به مركز الأمن الأمريكي الجديد حول سياسة انتشار الطائرات بدون طيار".

وأصر أورويتز على أن وجهات نظر الباحثين هي التي اشتملت عليها الورقة البحثية وأن الدراسة العامة والخاصة التزمت بسياسة الاستقلال الفكري لمركز الأمن الأمريكي الجديد، والتي تنص على أن باحثي مركز الأمن الأمريكي الجديد "يحتفظون بالاستقلال الفكري وبالسيطرة التامة على أي محتوى يتم تمويله جزئيا أو كليا من قبل مساهمة ما".

وأشار أورويتز إلى أن مركز الأمن الأمريكي الجديد لا يجد غضاضة في الكشف عن تلقيه مالاً من الإمارات العربية المتحدة، ونشر تفاصيل ذلك على موقعه وحتى من أَثْناء شهادة خبرائه أمام الكونغرس. ورَسَّخَ أورويتز أن مركز الأمن الأمريكي الجديد لم يكن قد تلقى أي أموال من الإمارات العربية المتحدة قبل سَنَة 2016. 

تكنولوجيا الرصد والمراقبة

وفي سلسلة أخرى من رسائل الإيميل يعود تاريخها إلى شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2013، تستخدم فلور نوي حساب "جي ميل" خاص للاتصال بالعتيبة والطلب منه المساعدة في الترويج لبيع الإمارات العربية المتحدة تكنولوجيا رصد ومراقبة إلكترونية تنتجها مؤسسة تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها. 

ويعرف عن حكومة الإمارات العربية المتحدة أنها زبون شره في مجال تكنولوجيا الرصد والرقابة، وأنها اشترت مرارا وتكرارا معدات تجسس إلكترونية من بلدان غربية لكي تتجسس على المعارضين السياسيين. وكانت "ذي إنترسيبت" قد قَامَتْ بِالنُّشَرِ تقريرا في شهر تشرين الأول/ أكتوبر أفاد بأن دولة الإمارات العربية المتحدة قد جندت جيشا صغيرا من "الهاكرز" الغربيين لمساعدتها في تحويل الإمارات إلى دولة الرصد والرقابة الأكثر تطورا وتعقيدا في الدول العالمية. 

وفي رسالة إيميل موجهة إلى العتيبة في شباط/ فبراير 2013، عبرت فلورنوي عن استيائها من أن "دو"، وهي شركة اتصالات إماراتية كبرى، اختارت ألا تشتري تكنولوجيا خدمات تحديد موقع من "بولاريس وايرليس"، وهي شركة متخصصة في أجهزة التعقب الإلكتروني. وتروج "بولاريس" في موقعها الإلكتروني لبرامج رصد المواقع لاسلكيا والتي يمكن أن تستخدم في تحديد ورصد أشخاص مشتبه فيهم وفي تحري ورصد الحشود والسماح للمستخدمين باستباق كل من يشك في تشكيلهم تهديدا للأمن. ويوجد لدى "بولاريس وايرليس" مكتب في دبي، وفي سَنَة 2012 نسب رئيسها التنفيذي نمو أرباحها إلى المبيعات التي تمت في المنطقة. 

وأخبرت فلور نوي العتيبة بأن أكثر ما يهمها هو رؤية الإمارات العربية المتحدة تمتلك تِلْكَ القدرة كشريك أمني أساسي. وطلبت منه التدخل لدى وزارة الداخلية والمساعدة في ترتيب اجتماع لمسؤول تنفيذي كبير في "بولاريس". 

المصدر : عربي 21